الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
252
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الناس كلهم إن نفعت الذكرى جميعهم ، أي وهي لا تنفع إلا البعض وهو الذي يؤخذ من قوله : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى الآية . فالشرط في قوله : إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جملة معترضة وليس متعلقا بالجملة ولا تقييدا لمضمونها إذ ليس المعنى : فذكر إذا كان للذكرى نفع حتى يفهم منه بطريق مفهوم المخالفة أن لا تذكّر إذا لم تنفع الذكرى ، إذ لا وجه لتقييد التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعة إذ لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى ، ولذلك كان قوله تعالى : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ ق : 45 ] مؤولا بأن المعنى فذكر بالقرآن فيتذكر من يخاف وعيد ، بل المراد فذكّر الناس كافة إن كانت الذكرى تنفع جميعهم ، فالشرط مستعمل في التشكيك لأن أصل الشرط ب ( إن ) أن يكون غير مقطوع بوقوعه ، فالدعوة عامة وما يعلمه اللّه من أحوال الناس في قبول الهدى وعدمه أمر استأثر اللّه بعلمه ، فأبو جهل مدعو للإيمان واللّه يعلم أنه لا يؤمن لكن اللّه لم يخصّ بالدعوة من يرجى منهم الإيمان دون غيرهم ، والواقع يكشف المقدور . وهذا تعريض بأن في القوم من لا تنفعه الذكرى وذلك يفهم من اجتلاب حرف ( إن ) المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط أو ندرة وقوعه ، ولذلك جاء بعده بقوله : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى فهو استئناف بياني ناشئ عن قوله : فَذَكِّرْ وما لحقه من الاعتراض بقوله : إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى المشعر بأن التذكير لا ينتفع به جميع المذكّرين . وهذا معنى قول ابن عباس : تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي ، وفي هذا ما يريك معنى الآية واضحا لا غبار عليه ويدفع حيرة كثير من المفسرين في تأويل معنى ( إن ) ، ولا حاجة إلى تقدير الفراء والنحاس : إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني . ويذّكّر : مطاوع ذكّره . وأصله : يتذكر ، فقلبت التاء ذالا لقرب مخرجيهما ليتأتى إدغامها في الذال الأخرى . و مَنْ يَخْشى : جنس لا فرد معين أي سيتذكر الذين يخشون . والضمير المستتر في يَخْشى مراعى فيه لفظ ( من ) فإنه لفظ مفرد . وقد نزّل فعل يَخْشى منزلة اللازم فلم يقدّر له مفعول ، أي يتذكر من الخشية فكرته وجبلته ، أي من يتوقع حصول الضر والنفع فينظر في مظان كل ويتدبر في الدلائل